دروس من تركيا

 

 

 

 

ما أن كل ما يحدث في تركيا يهمنا هنا في المغرب، ليس فقط بحكم الدين الإسلامي الذي نشترك فيه مع الأتراك، ولكن لأن تركيا تغلغلت إلى حياتنا اليومية بشكل تدريجي، ففتياتنا يذرفن الدموع وهن يتابعن المسلسلات التركية، وفتياننا يدهنون شعورهم بمرهمات تركية ويلبسون ماركات تركية، وأبناء قيادات العدالة والتنمية الحاكم يدرسون في جامعات تركيا، وحتى المواد الغذائية التي أصبحنا نستهلكها تركية ونشتريها من بيم، فإن ثلاثة قطاعات مغربية مدعوة للاستفادة من ثلاثة دروس تركية مهمة.

 

أولا درس للسياسيين بأن الشعب هو الركيزة الأساسية في المعادلة وأن شعبا يحب قادته مستعد لمواجهة الدبابات في الشوارع من أجلهم.

ثانيا درس لطبقة رجال الأعمال بأن يتحلوا بالحس الوطني وأن يفهموا أن ثروتهم خلقوها في بلدهم وأنهم بحمايتهم لبلدهم من الابتزاز والتدخل الأجنبي إنما يحمون ثرواتهم بالنهاية.

ثالثا درس للشعوب بأن مصلحة بلدانها، التجارية والاقتصادية والجيوستراتيجية، يجب أن تكون في مقدمة انشغالاتها وأن تقدمها دائما على كل اعتبار أجنبي.

وما وقع في تركيا خلال المحاولة الانقلابية وخلال الانتخابات الأخيرة التي حملت أردوغان إلى الرئاسة من جديد، وما حدث قبل أسبوع عندما تجند رجال الأعمال والمقاولون إلى جانب الليرة التركية ضد الدولار أعطانا دروسا كثيرة، أهمها درس الديمقراطية الحقيقية مقابل أشباه الديمقراطيات، فما أفشل الانقلاب في تركيا، وما سيفشل كل انقلاب سواء أكان وشيكا أو بعيدا، وما أعاد أردوغان إلى السلطة ليس القبضة الأمنية لأردوغان وأتباعه وليس القوة الاستشرافية لمؤسسات الدولة، بل الديمقراطية الحقيقية التي أنجبت نظاما سياسيا راكم المشروعية وجمع من حوله تآلف الفرقاء السياسيين والاقتصاديين ورجال الأعمال، حتى وإن كانت أيديولوجياتها مناقضة لأيديولوجية الحزب الحاكم.

اليوم تعيش تركيا حربا تجارية مع أمريكا، تدخل في إطار الحروب التجارية التي يشنها دونالد ترامب ضد اقتصاديات المحور الروسي بهدف وحيد هو إلحاق العطب بالآلة التجارية الصينية الفتاكة وتأخير احتلالها للمرتبة الأولى اقتصاديا على المستوى العالمي.

وإلى حدود الأمس فتركيا كانت هي الحليف الإستراتيجي لأمريكا، ولديها اتفاقيات مشاركة في إطار حلف الناتو والمجال النووي، قبل أن تحدث المحاولة الانقلابية الفاشلة ويطالب أردوغان برأس فتح الله غولن المقيم بأمريكا والذي تتهمه أنقرة بالضلوع في المحاولة الانقلابية، وقبل أن تطالب واشنطن أردوغان بدورها بإطلاق سراح القس الأمريكي المتهم بالتجسس والضلوع في الانقلاب الفاشل.

بعد ذلك سيشهر دونالد ترامب ورقة رفع الضرائب الجمركية في وجه صادرات تركيا من الصلب والألمنيوم، لتنهار الليرة ويشن أردوغان حربا مضادة ضد المنتجات الأمريكية، امتد لهيبها إلى المغرب عندما طالبت مجموعات فيسبوكية المغاربة بالسفر إلى تركيا لإنعاش السياحة التركية ومقاطعة مرجان وأسيما ودعم متاجر  بيم التركية بالمغرب.

إذا كنّا مدعوين لأخذ الدروس من التجربة الديمقراطية التركية، خصوصا الدرس الذي يتعلق بالثقة في الشعب والتعويل عليه كجدار واق وحيد ضد الانقلابات الداخلية والأطماع الخارجية، وأيضا الدرس المتعلق بضرورة توفر رجال الأعمال على خصال الوطنية الصادقة والاستعداد للتضحية بمصالحهم من أجل كرامة الوطن ووحدته، فإننا أيضا مدعوون لأخذ الدرس التركي المتعلق بدفاع الأتراك عن مصالحهم الاقتصادية وجعلها في مقدمة الأولويات.

وشخصيا تابعت كلمة الرئيس رجب طيب أردوغان أمام رجال الأعمال الأتراك ووجدت أننا مدعوون للاستفادة مما قاله، خصوصا تركيزه على الإنتاج والتصدير، ودعوته الأتراك لتصنيع ما يحتاجون إليه قائلا “كل تعامل ندفع لأجله النقود نحو الخارج سنقوم بعمله هنا على أفضل شكل وسنصدره نحن للخارج”، لماذا يجب أن نستفيد مما قاله أردوغان؟ ببساطة لأننا جزء من هذا الخارج الذي يتحدث عنه والذي تغرقه المنتجات التركية.

ولذلك فهؤلاء الذين يتطوعون اليوم بيننا للدفاع عن مصالح تركيا الاقتصادية والتجارية في المغرب وخارجه يجب أن يفهموا أن المصالح التي يجب أن يدافعوا عنها هي مصالح بلدهم المغرب ولا شيء آخر غير المغرب.

لأنك عندما تساهم كمستهلك مغربي في خلق مناصب شغل في تركيا فإنك بالضرورة تساهم في قتل مناصب شغل إخوانك المغاربة في المقاولات المغربية.

وطبعا فهذا الموقف ليس فيه أي عداء لتركيا، لكن وكما تدافع تركيا بشراسة عن مناصب شغلها وعن مقاولات رجال أعمالها يجب أن تكون لدينا الوطنية لكي نقوم بالشيء ذاته مع مناصب شغلنا ومع مقاولاتنا.

المشكلة لدينا في المغرب أن بيننا أناسا يحترفون تدمير المقاولات والشركات الوطنية التي تستثمر أرباحها في المغرب وتوظف مغاربة من أجل عيون الشركات الأجنبية التي تستنزف خزينة الدولة بإرسال أرباحها السنوية إلى حسابات الشركات الأم في الخارج.

وهكذا في الوقت الذي أفلست فيه 13.000 مقاولة بين 2013 و2015، بسبب الركود المالي والاقتصادي نرى كيف تنتعش الشركات التركية وتكبر في المغرب.

والفضل في ذلك يرجع طبعا إلى العلاقات السرية والعلنية التي تربط رجال أعمال أتراك من حركة غولن مع مسؤولين وقياديين في حزب العدالة والتنمية وفي التنظيمات الموازية للحزب الذي يقود الحكومة لولاية ثانية.

وفي الوقت الذي تعاني فيه أغلب سلاسل التوزيع الكبيرة بالمغرب من تراجع الطلب، الذي أثر نوعيا على رقم معاملاتها، ودفعها إلى تقليص العروض التخفيضية بشكل طفيف، حافظت شركة “بيم” على وتيرة عروضها التخفيضية، بل أكثر من ذلك استحدثت عروضا أخرى أكثر إغراء للزبون، وذلك من خلال إطلاق تخفيضات استثنائية كل يوم جمعة، تصل إلى 50 في المائة عن السعر الحقيقي.

وبالإضافة إلى الدعم المادي والمعنوي الذي تستفيد منه سلسلة متاجر “بيم” والممنوح لها من الدولة التركية، فإنها تستفيد أيضا من دعم خفي من قبل حزب العدالة والتنمية بالمغرب، ويتضح ذلك بشكل جلي في الصفقات والامتيازات التي تحظى بها الشركات التركية، ومن ضمنها سلسلة “بيم”.

وقد شكل رفع الدعم الكلي عن مواد الصناعات المغربية، ضربة قاضية لتنافسية المنتجات المغربية أمام المنتجات التركية، في وقت تستفيد فيه المواد المصنعة بتركيا والمسوقة بالمغرب من دعم من قبل الدولة التركية قصد تسهيل الانتشار في الدول وتشجيع التصدير، وتستفيد أيضا من اتفاقية التبادل الحر، كما أنها تستفيد من دعم غير مباشر من خلال تكلفة الإنتاج المرتفعة محليا ورفع الدعم عن المواد، وهو ما أثر على تنافسية المواد السلعية والاستهلاكية المغربية أمام المواد التركية.

ويبقى على الحكومة عندنا أن تقتدي بالنموذج التركي في مجال تشجيع المستثمرين المغاربة بالخارج على إنشاء مشاريعهم، إذ إن جميع سفارات تركيا في العالم تمنح مواطنيها في الخارج دعما ماليا لتنفيذ مشاريعهم، فلماذا لا يقوم المغرب بذلك أيضا مع المقاولين من أبناء جاليته، خصوصا أن الأرباح في الأخير يتم تحويلها إلى المغرب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.