ماستر فالنصب

 

 

لا تكاد تمر سنة دون أن تندلع فضيحة في الجامعة، وقبل سنة اندلعت فضيحة الابتزاز الجنسي في تطوان، الجامعة التي ينتمي إليها كاتب الدولة في التعليم العالي خالد الصمدي، وطبعا كثيرون رأوا حينها أن الأمر يتعلق باستهداف أساتذة الجامعات، مع أن الفساد في الجامعة بكل أنواعه ليس شيئا جديدا بل أصبح تقليدا يتورط فيه بعض الأساتذة أو الموظفين.

وهذه الأيام، وبينما الجامعات العالمية تحتفي بنشر أسمائها ضمن ترتيب أحسن الجامعات العالمية، وهو الترتيب الذي لا توجد فيه أية جامعة مغربية بالمناسبة، انتشر تسجيل يكشف عن عمليات بيع وشراء في شواهد ماستر بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وسمعنا عمادة الجامعة تعلن في بيان مليء بالأخطاء الإملائية عن فتحها تحقيقا في الموضوع.

ومثلما انتهى التحقيق حول فضيحة الابتزاز الجنسي إلى الطي والنسيان، ينتظر أن ينتهي ملف فضيحة الماستر إلى النسيان كذلك، ببساطة لأن الأمر ليس حادثا معزولا، ففي التسجيل نجد شخصا، موظفا في الجامعة، يُسَوِّق لأحد المجازين ماستر المنازعات العمومية، فبعدما عرض الامتيازات التي يخولها هذا الماستر لحامليه على مستوى التشغيل في القطاعين الخاص والعام، نجد هذا السمسار يتكلم بلغة التاجر الذي يملك سلعة مضمونة بين يديه، وليس ماستر يفترض أن يمر صاحبه بسلسلة امتحانات لا تقل عن عشرين امتحانا، بين الشفوي والكتابي، لذلك نجد “يوسف” هذا يؤكد لصاحبه في المكالمة، أنه يضمن الانتقاء والكتابي والشفوي، بل ويضمن أيضا نقط الوحدات الأخرى أثناء الدراسة، بل ويفاخر بكونه تدخل لحالات سابقة ذكر أنها من بني ملال وفاس وميسور، ويطلب منه أيضا “تسويق” العرض ليشمل مجازين آخرين إن رغبوا في هذا الماستر، على شاكلة العروض الشهيرة “العرض محدود”، كل هذا بمبلغ أربعة ملايين سنتيم غير قابلة للتفاوض.

الوزير خالد الصمدي سارع إلى كتابة تدوينة قال فيها إنه تمت إحالة الملف على المصالح المختصة بالوزارة لإجراء تحقيق في الموضوع، من أجل اتخاذ ما يلزم من قرارات، والحقيقة أن هذه الفضيحة لا تكشف فقط حجم الفساد الذي لم يستثن الجامعات بل عن حقيقة ذهنيات المسؤولين الذين تفترض فيهم محاربة الفساد وضمان تكافؤ الفرص بين المغاربة في الولوج للخدمات التي يقدمها التعليم العالي بشكل عام.

وإن كان من ماستر ينبغي البدء فورا بالتحقيق فيه فهو الماستر الذي يشرف عليه خالد الصمدي نفسه، لكونه ماستر يتضمن مجموعة من الخروقات التي لا علاقة لها بالبحث العلمي نهائيا، من قبيل اعتماد نظام “المناولة” في التدريس وتوظيف الطلبة في مشاريع “علمية” شخصية لكاتب الدولة، تحت مسمى “مركز بحث” تم نقل مقره إلى زنقة في أكدال بمجرد تعيينه في منصبه.

ومن جملة الخروقات التي ينبغي التحقيق فيها، هي أن اسم خالد الصمدي موجود على الورق فقط، فيما الذي يدرس هو مدير ديوانه، هذا الأخير الذي أشرف شخصيا على حفل لم يسمع به أحد في المغرب من قبل، وهو “تكريم فكر خالد الصمدي”، حيث تم استدعاء طلبة الماستر وطلبة الدكتوراه الذين يشتغلون تحت إمرة كاتب الدولة، وعلى مدى ثلاثة أيام، ليكيلوا المديح لـ”فكره” و”سيرته”، وكأن الأمر يتعلق بابن رشد، مستغلا في ذلك الإمكانات اللوجستيكية للمدرسة العليا بالرباط، والتي تخضع لوصايته.

إذن، نحن أمام مسؤول ينبغي لجهة محايدة أن تفتح تحقيقا في الماستر الخاص به، تحقيقا يشمل شروط الانتقاء واجتياز الامتحانات والعلاقات الشخصية للطلبة المحظوظين ببعض أعضاء الحزب في طنجة، هذا المسؤول يريد أن يجعلنا نصدق أنه سيفتح تحقيقا لصيانة سمعة الجامعة بعد فضيحة بيع الماستر، مع أن ما شهدته هذه الجامعة نفسها، من فراغ إداري تجاوز الخمسة أشهر، بسبب حرص الصمدي والعثماني على التمديد لرئيس الجامعة السابق بدل الرئيس الجديد، دليل على أن الفساد في التعليم العالي شامل.

وإلا هل للصمدي أن ينفي ما حدث في حفل تبادل السلط بين رئيسي هذه الجامعة السابق، والذي ينتمي للعدالة والتنمية، والحالي؟ هل له أن ينفي كون الرئيس السابق قال حرفيا بأنه في استراحة وأنه عائد إلى منصبه لا محالة؟

فكاتب الدولة قال بأنه سيفتح تحقيقا، والسؤال هو ما فائدة فتح تحقيق دون اتخاذ أي إجراء تأديبي؟ ومن المفيد هنا أن نذكره بقضية تزوير نقط أستاذة بكلية الحقوق بالرباط أعطت لطلبتها أصفارا تحولت بقدرة قادر إلى 13 و14، بحيث فتحت الوزارة تحقيقا في الموضوع، وأكدت في تقرير لها وبيان صحفي نشر في مجموعة من المنابر الإعلامية وجود التزوير، واكتفت بإحالة الملف على القضاء رغم أن العقوبة التأديبية أهم في هذه الحالات من العقوبة الجنائية، دون الحديث عن طول المدة التي يأخذها الحسم القضائي في القضايا.

أليس ذلك تهربا من ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ ثم كم من صفر أصبح نقطة موجبة للنجاح منذ ذلك الوقت؟

ألا يعتبر عدم اتخاذ أي إجراء تأديبي تجاه المزورين من طرف الوزارة الوصية تشجيعا لهم على الفساد؟

وبالعودة إلى فضيحة بيع الماستر بفاس، فإن الحقيقة التي كشفت عنها هذه الحادثة، هي أنه لا تخلو جامعة من فضائح من هذا النوع يتم التستر عليها لأن فضحها يجعل رؤساء الجامعات وعمداء الكليات مسؤولين هم أيضا عنها. فقد اندلعت حوادث مماثلة في سطات والرباط والمحمدية والقنيطرة، وإن لم تكن حوادث متاجرة بالشكل الذي سمعناه في التسجيل، فإنها حوادث متاجرة من النوع الحزبوي والسياسي.

بل إن الفساد لا يقف عند الولوج للماستر، بل يشمل أيضا تحديد توقيت لمناقشة البحوث وأيضا التسجيل في الدكتوراه، فمئات الطلبة أنهوا بحوثهم منذ مدة تفوق السنة، ومع ذلك فبعض الأساتذة ليس لهم وقت لتحديد توقيت للمناقشة، لأن هؤلاء الطلبة لا يملكون كيف يشترون هذه المواعيد، إما بالهدايا الغالية للأستاذ والزوجة أو بالجنس.

إن الأزمة فعلا هي أزمة قيم أولا وأخيرا، فالقلعة التي يفترض أن تقود المجتمع لترسيخ قيم النزاهة والموضوعية أضحت بعض مؤسساتها مرتعا للفساد بكل أنواعه، والكارثة هي أن بعض المسؤولين عن الجامعة يكرسون هذا الفساد أو يتغاضون عنه، ويكفي أن نذكر هنا تدخل خالد الصمدي شخصيا لتنقيل أستاذ للفلسفة من جامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة إلى جامعة المحمدية لكون هذا الأستاذ يشغل منصب الكاتب العام لمنتدى الكرامة الذراع الحقوقي لحزب العدالة والتنمية الحاكم. وتجري الآن محاولات حثيثة لتوظيف زوجته كأستاذة بنفس الجامعة.

مأساة الجامعة المغربية تكمن في كون أغلبها يأويفصيلة من الأساتذة الذين يحترفون جمع المال عوض جمع العلم، ويستعملون سلطتهم العلمية في تفريغ كبتهم الجنسي باستغلال طالباتهم جنسيا ومقايضتهن النجاح والبحوث بالمتعة المجانية. وليست الأسماء ما ينقصنا في هذا المجال، ففي كل كلية لدينا أسماء معروفة سمعتها أسود من الزفت، منها أسماء لأساتذة لا تفتح جريدة أو قناة دون أن تعثر على أحدهم يحلل ويناقش ويعطي الدروس في محاسن الأخلاق، ولو أن وزارة التعليم العالي وضعت خطا أخضر لتلقي شكاوى الطالبات اللواتي يتعرضن للتحرش الجنسي من طرف أساتذتهن، لما بقي في سجلات المشرفين على استقبال المكالمات مكان فارغ يسجلون فيه مزيدا من الشكايات، فالظاهرة أصبحت شبه عامة لا تكاد تخلو منها كلية أو جامعة بشكل أصبح معه السكوت عن هذه الفضيحة جريمة لا تغتفر.

والظاهر أن هناك نسبة «محترمة» من أساتذة الجامعات الذين يخلطون بين المقاولات والتجارة والتدريس الجامعي، خصوصا أولئك الأساتذة الذين يطبعون محاضراتهم في كتب ويشترطون على الطلبة اقتناءها وإحضارها في امتحانات الشفوي. في السابق، كانوا يطبعونها بـ«الستانسيل» و«البوليكوب»، واليوم أصبحوا يفضلون طباعتها في كتب لأن أرباحها أكبر، وبمجرد ما يدخل الطالب غرفة الامتحان، يسأله الأستاذ عن كتابه أولا قبل أن يسأله عن أي شيء آخر.

وإذا غامر الطالب بالدخول على الأستاذ بيدين فارغتين، فإن هذا الأخير يسأله أسئلة من قبيل «كم شجرة توجد في غابة الأمازون»، وحتى يضمن الأستاذ اقتناء كل طالب لنسخة من كتابه، فإنه يبادر عند نهاية «الاستنطاق» الشفوي إلى كتابة إهداء للطالب على الصفحة الأولى من الكتاب، ليس من أجل سواد عينيه طبعا، ولكن لكي يضمن الأستاذ عدم «تسليف» الطالب كتابَه للطالب الذي سيأتي بعده.

هذه بعض أخطر الأمراض التي تعاني منها الجامعة المغربية، وطبعا، فنحن لا نعمم الأحكام، فهناك داخل الجامعة المغربية أساتذة شرفاء يقبضون على نزاهتهم كالقابض على الجمر في فضاء موبوء وملوث بشتى أنواع العقد والأمراض الاجتماعية، وهؤلاء الأساتذة بدورهم يشتكون من ممارسات زملائهم المخلة بالآداب والمهنية، ويطالبون الوزارة بالقيام بحملة لتطهير الجامعة من هذه الطفيليات الضارة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.