
محمد البحلوسي
ليست كل التحالفات السياسية انتصارا، وليست كل أغلبية حكومية مكسبا انتخابيا. أحيانا، يكون القرار الذي يمنح الحزب مقعداً حول طاولة الحكومة هو نفسه القرار الذي قد يضع جزءا من رصيده السياسي على طاولة المحاسبة الشعبية. ومن هنا تبدو فكرة التحالف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار اختبارا سياسياً حقيقيا : هل سيحافظ الحزب على المسافة التي صنع بها لنفسه موقعا متقدما لدى الناخبين، أم سيدخل في تحالف قد يجعله شريكا في كل ما ستقوله الحكومة وما ستفعله وما ستتحمل مسؤوليته؟
المسألة هنا ليست عداء لحزب بعينه، وإنما تتعلق بمنطق الحساب السياسي. فإذا كان المواطن قد عبّر في صناديق الاقتراع عن تغيير في ترتيب القوى السياسية، فإن إعادة إنتاج التحالفات نفسها أو إشراك أطراف كانت جزءا من تجربة حكومية سابقة قد يفتح الباب أمام سؤال مشروع: ماذا تغيّر إذن؟ فالأصالة والمعاصرة، الذي وصل إلى المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة، لا يملك فقط مكسبا عدديا، بل يملك رصيدا سياسيا يحتاج إلى حماية. وأي قرار بالتحالف مع التجمع الوطني للأحرار سيضعه أمام مسؤولية شرح هذا الخيار للناخب، خصوصا إذا بدا أن الحزب انتقل سريعا من موقع المنافس إلى موقع الشريك في الحكم.
الأخطر أن دخول الحكومة لا يعني الحصول على مقاعد ومناصب فقط؛ بل يعني تقاسم المسؤولية السياسية عن القرارات والنتائج. فإذا ارتفعت كلفة المعيشة، أو تصاعد الاحتقان الاجتماعي، أو فشلت بعض السياسات العمومية، فلن يكون من السهل على أي حزب داخل الأغلبية أن يقول: «لسنا مسؤولين». المواطن لا يفرق دائما بين الحزب الذي اتخذ القرار والحزب الذي وافق عليه أو شارك في الحكومة، ولذلك فإن التحالف قد يضع الأصالة والمعاصرة في دائرة المحاسبة نفسها التي يضع فيها شريكه، وقد يدفعه إلى تحمل كلفة قرارات لم يكن صاحب المبادرة فيها.
وهنا تحديدا تكمن المغامرة: أن يتحول الانتصار الانتخابي إلى عبء سياسي إذا لم يُترجم إلى استقلالية واضحة ومشروع حكومي مقنع. فالحزب الذي يتصدر المشهد اليوم قد يجد نفسه غدا أمام ناخب يسأله عن مبررات تحالفه، وعن الحدود التي وضعها أمام شركائه، وعن الفارق بين اختياراته واختيارات حلفائه. وفي الاستحقاقات الجماعية المقبلة، قد يظهر ما يسمى بالتصويت العقابي إذا تشكل لدى جزء من الناخبين انطباع بأن الحزب أصبح جزءا من منظومة سياسية يريدون محاسبته، وهذا احتمال لا يمكن الجزم بوقوعه، لكنه مخاطرة سياسية ينبغي أخذها بجدية.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق توقيع أي تحالف ليس: كم مقعدا سنحصل عليه؟ وإنما: كم من رصيدنا السياسي يمكن أن نخسره؟ فالمناصب الحكومية تنتهي بانتهاء الولاية، أما صورة الحزب لدى الناخب فقد تحتاج سنوات لإعادة بنائها. وإذا كان الأصالة والمعاصرة قد نجح في الوصول إلى المرتبة الأولى، فإن التحدي الحقيقي أمامه هو ألا يتحول هذا الانتصار إلى مجرد رقم في سجل انتخابي، ثم يكتشف لاحقا أن التحالف الذي منحه موقعا داخل الحكومة سحب منه المسافة السياسية التي صنع بها الفارق مع منافسيه. وفي السياسة، قد يكون أخطر قرار هو ذلك الذي يبدو رابحا داخل البرلمان، بينما تكون فاتورته الحقيقية مؤجلة إلى صناديق الاقتراع.


